الغزالي

171

إحياء علوم الدين

وقال أيضا من أقبل على الدنيا أحرقته نيرانها ، يعنى الحرص ، حتى يصير رمادا . ومن أقبل على الآخرة صفته بنيرانها ، فصار سبيكة ذهب ينتفع به . ومن أقبل على الله عز وجل ، أحرقته نيران التوحيد ، فصار جوهرا لأحد لقيمته وقال علي كرم الله وجهه ، إنما الدنيا ستة أشياء ، مطعوم ، ومشروب ، وملبوس ، ومركوب ، ومنكوح ، ومشموم . فأشرف المطعومات العسل ، وهو مذقة ذباب . وأشرف المشروبات الماء ، ويستوي فيه البر والفاجر . وأشرف الملبوسات الحرير ، وهو نسج دودة وأشرف المركوبات الفرس ، وعليه يقتل الرجال . وأشرف المنكوحات المرأة ، وهي مبال في مبال . وان المرأة لتزين أحسن شيء منها ، ويراد أقبح شيء منها . وأشرف المشمومات المسك ، وهو دم بيان المواعظ في ذم الدنيا وصفتها قال بعضهم ، يا أيها الناس اعملوا على مهل ، وكونوا من الله على وجل ، ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل ، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدّارة خدّاعة ، قد تزخرفت لكم بغرورها وفتنتكم بأمانيها ، وتزينت لخطابها ، فأصبحت كالعروس المجلية ، العيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها عاكفة ، والنفوس لها عاشقة . فكم من عاشق لها قتلت ، ومطمئن إليها خذلت . فانظروا إليها بعين الحقيقة ، فإنها دار كثير بوائقها ، وذمها خالقها ، جديدها يبلى ، وملكها يفنى ، وعزيزها يذل ، وكثيرها يقل ، ودها يموت ، وخيرها يفوت . فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم ، وانتبهوا من رقدتكم ، قبل أن يقال فلان عليل ، أو مدنف ثقيل ، فهل على الدواء من دليل ؟ أو هل إلى الطبيب من سبيل ؟ فتدعى لك الأطباء ، ولا يرجى لك الشفاء . ثم يقال فلان أوصى ، ولماله أحصى . ثم يقال قد ثقل لسانه ، فما يكلم إخوانه ، ولا يعرف جيرانه . وعرق عند ذلك جبينك ، وتتابع أنينك ، وثبت يقينك ، وطمحت جفونك ، وصدقت ظنونك ، وتلجلج لسانك ، وبكى إخوانك ، وقيل لك هذا ابنك فلان وهذا أخوك فلان ، ومنعت من الكلام فلا تنطق ، وختم على لسانك فلا ينطلق . ثم حل بك القضاء ، وانتزعت نفسك من الأعضاء ، ثم عرج بها إلى السماء ، فاجتمع عند ذلك